• الأبحاث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
ar nav logo
لبنانإيران
{
  "authors": [
    "مايكل يونغ"
  ],
  "type": "commentary",
  "blog": "ديوان",
  "centerAffiliationAll": "",
  "centers": [
    "Carnegie Endowment for International Peace",
    "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
  ],
  "englishNewsletterAll": "",
  "nonEnglishNewsletterAll": "",
  "primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
  "programAffiliation": "",
  "regions": [
    "سورية",
    "لبنان",
    "المشرق العربي",
    "المملكة المتحدة",
    "فرنسا"
  ]
}
Diwan Arabic logo against white

المصدر: Getty

تعليق
ديوان

محنة سورية في ظلّ الانتداب

تستذكر إليزابيث تومسون، في مقابلة معها، كيف صاغت البلاد دستورًا ليبراليًا في العام 1920، قبل أن تجهض فرنسا وبريطانيا هذا المسار.

Link Copied
مايكل يونغ
نشر في 23 يونيو 2026

المدونة

ديوان

تقدّم مدوّنة "ديوان" الصادرة عن مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تحليلات معمّقة حول منطقة الشرق الأوسط، تسندها إلى تجارب كوكبةٍ من خبراء كارنيغي في بيروت وواشنطن. وسوف تنقل المدوّنة أيضاً ردود فعل الخبراء تجاه الأخبار العاجلة والأحداث الآنيّة، وتشكّل منبراً لبثّ مقابلات تُجرى مع شخصيّات عامّة وسياسية، كما ستسمح بمواكبة الأبحاث الصادرة عن كارنيغي.

تعرف على المزيد

إليزابيث تومسون أستاذة تشغل كرسي محمد س. فارسي للسلام الإسلامي في الجامعة الأميركية في واشنطن العاصمة. هي مؤرّخة متخصّصة في الحركات الاجتماعية والنظام الدستوري الليبرالي في الشرق الأوسط، مع تركيزٍ خاص على كيفية تشكُّل علاقات العرق والنوع الاجتماعي بناءً على التدخلات الأجنبية والقانون الدولي. ألّفت تومسون كتبًا عدّة، من بينها كتابٌ بعنوان Justice Interrupted: The Struggle for Constitutional Government in the Middle East (العدالة المعطّلة: النضال من أجل حكومة دستورية في الشرق الأوسط) (منشورات جامعة هارفرد، 2013)، وآخر حائز على جائزتَين محليتَين بعنوان Colonial Citizens: Republican Rights, Paternal Privilege, and Gender in French Syria and Lebanon (مواطنون تحت الاستعمار: الحقوق الجمهورية، والامتياز الأبوي، والنوع الاجتماعي في سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي) (منشورات جامعة كولومبيا، 2000). أما كتابها الثالث المترجم إلى العربية بعنوان "كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب: المؤتمر السوري في عام 1920 وتدمير التحالف التاريخي الليبرالي الإسلامي فيه"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في العام 2020، فيقدّم عرضًا لافتًا لمبادرة سورية إلى صياغة دستور ليبرالي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، قبل أن تُحبط هذا المسعى فرنسا وبريطانيا اللتان سعتا إلى استعمار الأراضي العربية التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية. أجرت "ديوان" مقابلة معها في مطلع حزيران/يونيو لمناقشة هذا الكتاب.

  

مايكل يونغ: يتناول كتابك المعنون "كيف سرق الغرب الديمقراطية من العرب: المؤتمر السوري في عام 1920 وتدمير التحالف التاريخي الليبرالي الإسلامي فيه"، مرحلة مفصلية في التاريخ السوري الحديث، هي الفترة الممتدّة بين تشرين الثاني/نوفمبر 1918 وتموز/يوليو 1920، والتي شهدت محاولة أُحبِطت لإقامة دولة سورية مستقلة ذات دستور ليبرالي. ما أبرز الدروس التي تستخلصينها من تلك الحقبة؟

إليزابيث تومسون: شكرًا على هذا السؤال. أعتقد أنّ ثمّة خلاصتَين أساسيتَين. الأولى هي أنّ طيفًا واسعًا من القادة السوريين كانوا ملتزمين بإقامة نظام ديمقراطي قبل الاستعمار، لو أنهم تُركوا وشأنهم. فمن الممكن القول إن الدستور الذي أقرّوه من حيث المبدأ، والذي تمّت المصادقة بصورة نهائية على موادّه الست الأولى، لا يزال أكثر الدساتير ديمقراطيةً في العالم العربي حتى يومنا هذا، ما يعكس الثقافة السياسية التي ورثوها كرعايا عثمانيين. تدفعنا هذه النتيجة إلى إعادة طرح أسئلةٍ جديدة حول التاريخ السياسي الحديث لسورية والعالم العربي. وفرضيتي الأولى هي أن البحث في أسباب افتقار العالم العربي إلى الديمقراطية اليوم ينبغي أن يبدأ من تمدّد الاستعمار الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، لا من الثقافة الإسلامية أو من سلوك حكّام دكتاتوريين معيّنين تعاقبوا على السلطة منذ الاستقلال.

أما الخلاصة الثانية، المرتبطة بالأولى، فتتمثّل في ضرورة طرح أسئلة جديدة بشأن تنامي زخم التيارات السلطوية والعنيفة والمتشدّدة دينيًا في المنطقة. ويركّز بحثي الحالي على السُبل التي أسهم بها القضاء العنيف على الحركات الديمقراطية عقب الحرب العالمية الأولى في تعزيز نفوذ تلك التيارات. من شأن هذا الطرح أن يضع التاريخ السياسي الحديث للشرق الأوسط ضمن الإطار التحليلي نفسه الذي تعتمده الدراسات المعنيّة بصعود الحركات المناهضة للّيبرالية والديمقراطية في أوروبا خلال الفترة ذاتها.

يونغ: أحد الأمور المهمة التي يذكّرنا بها كتابك هو أن الأمير فيصل، الذي أصبح لاحقًا ملكًا على سورية ثم ملكًا على العراق، توصّل في 6 كانون الثاني/يناير 1920 إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو، في محاولةٍ للتوفيق بين أهدافهما المتعارضة في سورية. هلّا أوضحتِ بإيجاز طبيعة هذا التفاهم، ولماذا لم يُنفَّذ، ولماذا واجه فيصل لاحقًا انتقادات حادّة بسببه، مع أنه شكّل، من منظور لاحق، نتيجةً أفضل ممّا حدث عندما احتلّ الفرنسيون سورية في العام 1920؟

تومسون: طرح المؤرخ الفرنسي اللبناني الراحل جيرار خوري هذه الفكرة في كتابه الصادر في العام 1993 بعنوان La France et l’Orient arabe (فرنسا والمشرق العربي). هو وغيره من المؤرّخين المتخصّصين في التاريخ الدبلوماسي الذين يميلون إلى تبنّي منظور المصادر الاستعمارية التي يستندون إليها، محقّون في أن كليمنصو كان قد وعد بصيغة مخفّفة من الانتداب الفرنسي، بموجب اتفاق مؤقّت مؤرّخ في 6 كانون الثاني/يناير 1920. وكان فيصل ليحتفظ بحكمه في دمشق، فيما تبقى القوات الفرنسية متمركزة شمال حلب، على ألّا يُستدعى تدخّلها إلّا بناءً على طلبه. لكن فرنسا كانت ستسيطر على شؤون الدفاع في الداخل السوري وعلى إدارة السياسة الخارجية للبلاد. وكان الاتفاق مشابهًا لما عرضته بريطانيا على مصر بعد ذلك بوقت قصير.

لكن مأخذي على طرح خوري يكمن في أنه لا يرى جوانب إيجابية للاتفاق إلّا بالمقارنة مع أحداث لاحقة لم يكن بوسع السوريين استشرافها آنذاك. وهو يتجاهل كذلك السياق الذي كان سائدًا في كانون الثاني/يناير 1920، والذي كان السوريون يدركونه بوضوح. فقد أُقصي كليمنصو من السلطة بعد أسبوعَين فقط من الاتفاق، على يد أنصار الاستعمار الذين كانوا قد عقدوا العزم سرًّا على التنصّل من تعهّد اتفاقية سايكس-بيكو للعام 1916 بشأن الاعتراف بالحكم الذاتي ضمن المنطقة "أ" في الداخل السوري. لذا، لم يكن مقدّرًا لشروط اتفاق 6 كانون الثاني/يناير أن تصمد. حتى فيصل نفسه أدرك أن الاتفاق لم يكن سوى سراب، ولهذا السبب لجأ إلى البريطانيين. لكن أقرب مستشاريه كانوا أكثر إدراكًا منه لحقيقة أن بريطانيا لن تتولّى حماية سورية. وركّزت الانتقادات التي وُجِّهَت إليه لاحقًا، على حدّ علمي، بشكلٍ أكبر على بطء إدراكه لضرورة التحضير عسكريًا من أجل الدفاع عن سورية.

يونغ: أحد المحاور الرئيسة التي تتناولينها هو كيف فرضت القوى الغربية الكبرى، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، سيطرتها الاستعمارية على الشرق الأوسط، بما تعارض مع رؤية وودرو ويلسون الداعية تحقيق تقرير المصير في الأراضي التي كانت تابعة للدولة العثمانية. كانت أنظمة الانتداب الأداة لتنفيذ ذلك، وقد وصفتِ بالتفصيل كيف استخدم الفرنسيون مؤتمر سان ريمو على وجه الخصوص لحمل بريطانيا على القبول بالسيطرة الفرنسية على سورية. هلّا شرحتِ لنا ذلك، إضافةً إلى الدور الذي اضطلع به المسؤول الفرنسي روبير دو كيه في هذا المسعى؟

تومسون: نعم، عارض أنصار الاستعمار في كلٍّ من فرنسا وبريطانيا دعوة ويلسون إلى إقامة أنظمة انتداب تستند إلى الحصول على موافقة الشعوب الخاضعة لها، وإلى فكرة أن أحد الأهداف الرئيسة للحرب ينبغي أن يكون توسيع نطاق القانون الدولي ليشمل حقوق جميع الأمم، بما فيها الصغيرة. وقد كتب عددٌ من باحثي النظرية السياسية في السنوات الأخيرة دراسات أظهرت مدى الطابع الراديكالي لرؤية ويلسون، إذ إنها استبقت المنطق الذي قامت عليه حملات حقوق الإنسان في أواخر القرن العشرين، من خلال جعل الفرد، لا الأمة، مصدر السيادة ومرتكزها. وكان من المفترض أن يختار ناخبون أفراد سلطةَ الانتداب التي ستتولّى إدارة شؤونهم بعد الحرب، وأن يحدّدوا طبيعة النظام المؤقت الذي من شأنه أن يؤهّلهم سريعًا للانضمام إلى أسرة الأمم المُتمتّعة بالحقوق السيادية. وقد حرص ويلسون على إدراج شرط أخذ موافقة الشعوب هذا في المادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم الخاص بأنظمة الانتداب. ونصّت المادة نفسها أيضًا على منح السيادة لشعوب الأقاليم التي كانت تابعة سابقًا للدولة العثمانية، شرط قبولها المشورة في إطار الانتداب.

لكنّ روبير دو كيه ونظراءه البريطانيين عارضوا أفكار ويلسون منذ البداية. كان دو كيه أحد أبرز أركان اللوبي الاستعماري الفرنسي، ويتمتّع بنفوذ واسع على الصحافة والرأي العام، وبشبكة من الأنصار داخل وزارة الخارجية الفرنسية والبرلمان. أما جورج كليمنصو، الذي تولّى رئاسة الحكومة الفرنسية بين تشرين الثاني/نوفمبر 1917 وكانون الثاني/يناير 1920، فكان من أقدم خصوم هذا اللوبي وأشدّهم معارضة له. وخلال الحرب، تمكّن من إلحاق هزيمة بأنصار الاستعمار عبر التعهّد بإجراء إصلاحات في الجزائر والسنغال تقديرًا للتضحيات التي قدّمها الجنود الآتون من هذَين الإقليمَين، ولم يُبدِ اهتمامًا كبيرًا بتوسيع الإمبراطورية الفرنسية. لكن دو كيه كان قد أحبط اتفاقًا مع فيصل في نيسان/أبريل 1919، وما إن غادر كليمنصو السلطة حتى مارس تأثيرًا حاسمًا على اتّخاذ قرار غزو سورية، والإطاحة بفيصل، وإنشاء دولة لبنان الكبير ككيان منفصل. بعدئذٍ، دافع عن النظام الانتدابي القمعي والعنيف في سورية بصفته ممثّل فرنسا لدى لجنة الانتداب الدائمة التابعة لعصبة الأمم.

أشار جيرار خوري نفسه إلى أن النجاح الذي حقّقه دو كيه، بنفوذه الفردي، كان أمرًا لافتًا. وقد حظيتُ بشرف التحدّث مع البروفيسور خوري قبل وفاته في العام 2017، إذ أعرب عن أسفه للدور المدمّر الذي أدّاه رجل لم يكنّ، في الواقع، أي مودّة شخصية لا للبنانيين ولا للسوريين. وكما أُجادل في كتابي، كان دافعه الوحيد استعادة مجد فرنسا من خلال الإمبراطورية.

يونغ: من منظور لبناني، راودني انطباع بأن سرديتك تميل إلى تصوير المسيحيين الموارنة في لبنان على أنهم وقفوا خارج الحركة العربية العامة الساعية إلى الاستقلال، وهو ما يتقاطع إلى حدٍّ ما مع النظرة القومية العربية التقليدية تجاه هذه الطائفة، وهي نظرة سلبية نوعًا ما. مع ذلك، بالنظر إلى ما حظي به الموارنة من حكم ذاتي نسبي في جبل لبنان خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هل من المنصف القول إن توقهم إلى الاستقلال لم يكن ليتحقّق إلا من خلال قوة أجنبية مثل فرنسا، لأنهم اعتبروا أن نظام فيصل في دمشق كان سيقضي على هامش الحكم الذاتي النسبي الذي كانوا يتمتّعون به؟

تومسون: أجد نفسي مقتنعة بالأبحاث التي أنجزها أسامة مقدسي حول جبل لبنان وجذور العنف الطائفي، والتي ترى أن التعايش السلمي خلال أواخر العهد العثماني تَحقَّق بفعل عوامل داخلية لم تقلّ أهميةً عن التأثيرات الخارجية، بل ربما فاقتها تأثيرًا. فالكنيسة المارونية لم تكن تحكم المتصرفية، بل في الواقع، كما أوضح إنغين أكارلي في كتابه The Long Peace: Ottoman Lebanon, 1861-1920 (السلام الطويل: لبنان العثماني، 1861-1920)، تم كبح طموحات الكنيسة خلال تلك المرحلة. لكن الكنيسة تحوّلت أثناء المجاعة الكبرى التي وقعت خلال الحرب العالمية الأولى إلى المصدر الرئيسي لإعالة السكان، ثم أصبحت بعد ذلك المستفيد الأكبر من المساعدات الفرنسية. وكان انطباعي، عند تأليف كتابي، بأنّ المسيحيين الموارنة لم يصدّقوا جميعًا تطمينات الكنيسة بأن الانتداب الفرنسي سيكون مؤقتًا. يجب إجراء المزيد من الأبحاث حول مواقف عامّة الموارنة، وحول الأسباب التي دفعت مجلس إدارة جبل لبنان المنتخب، بما في ذلك شقيق البطريرك الماروني نفسه، إلى التصويت لصالح الانضمام إلى المملكة العربية السورية في تموز/يوليو 1920. وقد جاء ذلك التصويت بعدما اتّضح أن الدستور السوري نصّ على منح لبنان حكمًا ذاتيًا في إطار المملكة.

يونغ: إحدى الشخصيات الأساسية التي تطرّقتِ إليها هي رشيد رضا، الذي يُقّدم صورةً مثيرةً للاهتمام وتنطوي على تناقض في كتابك. فقد اضطلع رضا، وهو مفكّر مسلم من بلدة القلمون الواقعة اليوم شمال لبنان، بدورٍ محوري في وضع الدستور الليبرالي السوري الذي أقرّه المؤتمر السوري العام، لكنه كان أيضًا الشخص الذي ألهمت أفكاره في وقت لاحق حسن البنّا لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي لا يُنظر إليها عمومًا كحركةٍ ليبرالية. هل يمكنكِ شرح هذه المفارقة؟

تومسون: أشكرك لطرح هذا السؤال. إن التناقض الظاهري في دور رشيد رضا هو أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتني إلى تأليف هذا الكتاب. فكيف يمكن لزعيم ديني، لا تزال جماعة الإخوان تُجِلّه حتى اليوم، أن يترأس عملية صياغة دستور لم يمنح الإسلام صفة الدين الرسمي للدولة أو مصدر التشريع؟ كيف ولماذا غابت هذه المرحلة عن ذاكرة الإسلاميين، بل أيضًا عن ذاكرة الباحثين الذين لطالما ناقشوا العلاقة بين الإسلام والديمقراطية؟ لقد استطعت، بفضل الباحث في الشؤون الدينية عمرو رياض، الاطّلاع على مذكّرات رضا الشخصية التي دوّنها خلال فترة المملكة العربية السورية. وعبر الجمع بين مذكّراته ومقالاته التي نشرها في مجلّته "المنار"، بدا واضحًا أن رضا كان يؤمن فعلًا بالقيم الليبرالية المشتركة بين الأديان الكبرى. وقد خصّص عددًا من مجلّته للإشادة بوودرو ويلسون الذي اعتبره أداةً لتحقيق المشيئة الإلهية. وكان إيمانه بالليبراليين الأوروبيين قويًا لدرجة أنه سافر إلى جنيف في العام 1921 لعرض حججه ضدّ الانتداب الفرنسي الذي رآه بعيدًا كلّ البعد عن المبادئ الليبرالية.

تشير خاتمة كتابي إلى أن خيبة أمل رضا من الليبرالية حصلت حين صادقت عصبة الأمم، التي كانت خاضعة لنفوذ شخصيات استعمارية مثل روبير دو كيه ولورد بلفور، على أنظمة الانتداب. وسيتعمّق بحثي الحالي في كيفية تحوّل رضا إلى الداعية الذي ألهم حسن البنّا.

يونغ: سؤالي الأخير هو، ما أهمية كتابك في ضوء ما حدث في سورية بين العامَين 2011 و2024، حين غرقت البلاد في دوّامة من العنف المروّع؟ وكيف يمكن لكتابكِ أن يؤطّر هذه المرحلة للقرّاء؟

تومسون: لطفٌ كبيرٌ منك أن تشير إلى أن لكتابي صلة مباشرة بالسياق الحالي. هذه الصلة لن تتّضح إلّا من منظور السوريين الذين يحاولون اليوم إعادة بناء بلدهم. فيُفترض بكتب التاريخ، إذا ما كُتبت بشكلٍ جيّد، أن تمكّن القرّاء من تصوّر حاضرهم من زاوية جديدة، وأن تمنحهم مفاتيح مستقبلٍ لا تثقله مآسي الماضي.

مع ذلك، أقترح في خاتمة كتابي أن الاستعمار العنيف لسورية أحدث انقسامًا في أوساط التحالف الديمقراطي الشعبي، الذي كان يربط القادة الديمقراطيين من الطبقة الوسطى بالطبقات الشعبية من خلال خطاب ديني شعبي مشترك. ويُلقي كتاب جايمس غالفين Divided Loyalties (ولاءات منقسمة) الضوء على هذه الطبقة الشعبية بشكل جيّد. وردًّا على إخفاقات المساعي التحرّرية في كلٍّ من سورية ومصر، أصبح الليبراليون نخبةً تعاونت مع الأوروبيين لتعليم الطبقة الشعبية غير المُؤهّلة، التي اعتُبرت غير جاهزة للديمقراطية. في الوقت نفسه، أصبح الإسلاميون دوغمائيين وشعبويين، وأكثر عداءً للنهج الليبرالي الذي انتصر في العام 1920. أُشير هنا إلى أنني أُجري حاليًا بحثًا حول مصر خلال تلك الفترة في إطار دراسة مُقارنة مع سورية. وقد أدّى الانقسام بين الليبراليين والإسلاميين منذ ذلك الحين إلى إضعاف زخم مناهضة الدكتاتورية، وهذا ما أدركه نظام بشار الأسد جيدًا.

سأختتم إجابتي بحكايةٍ عن كيف قرأ شخصان من الأميركيين السوريين كتابي في كانون الثاني/يناير 2025، بعد شهر واحد من سقوط الأسد. كان الاثنان يعملان لدى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وتلقّيت مكالمة هاتفية منهما في 15 كانون الثاني/يناير أو قرابة هذا التاريخ، عبّرا فيها عن حماسهما الشديد لما اكتشفاه في كتابي عن دستور العام 1920. وأعربا أيضًا عن أسفهما لعدم إدراجه في النقاش الدائر في دمشق، حيث طُرح دستور العام 1950 كنموذج لنظامٍ سوري ما بعد حكم البعث. تمثّلت المشكلة في أن دستور العام 1950 اعتَبر أن الإسلام هو المصدر الرئيس للتشريع والدين الرسمي للدولة. وكان هذا موقفًا عارضه رشيد رضا في العام 1920، لأنه رأى أنه يتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين. وسألني هذان الشخصان عمّا إذا كان بإمكاني المساعدة في الترويج لنموذج دستور العام 1920 في أوساط السوريين اليوم. أثناء حديثهما، لم أستطع إلّا أن أفكّر في الرئيس الذي كان على وشك تولّي منصبه في غضون أيام قليلة، وهو رئيس لا يُبدي أي اهتمام بتعزيز الديمقراطية في الخارج، ولا في الداخل. لم أكن لأتخيّل أنّ هذَين المعجبَين بكتابي سيخسران عملهما، بعد أن جرى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في الشهر التالي.

أودّ أن أقول إن الحرب في سورية وسجّل التاريخ الحديث يشيران إلى أن الديمقراطية لن تزدهر إلّا إذا تمكّن السوريون المثقّفون من العودة إلى بلادهم، وفقط إذا تبنّوا نهجًا سياسيًا قائمًا على الوحدة بين السوريين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية. فالإسلام في حدّ ذاته ليس عائقًا أمام تحقيق الديمقراطية، لكن من السهل استخدامه – وكذلك أي دين آخر – لتقويض قيم التسامح والسلام والديمقراطية. إن الأحداث الأخيرة في بلدي تؤكّد على هذا النمط التاريخي.

عن المؤلف

مايكل يونغ

محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط

مايكل يونغ محرّر مدوّنة "ديوان" ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.

    الأعمال الحديثة

  • تعليق
    الأمن الإسرائيلي قائمٌ على انعدام الأمن في الشرق الأوسط

      مايكل يونغ

  • تعليق
    السلطة المطلقة تُفسد أصحابها

      مايكل يونغ

مايكل يونغ
محرّر مدوّنة 'ديوان', مدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
مايكل يونغ
سوريةلبنانالمشرق العربيالمملكة المتحدةفرنسا

لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.

المزيد من أعمال ديوان

  • تعليق
    ديوان
    الأمن الإسرائيلي قائمٌ على انعدام الأمن في الشرق الأوسط

    فيما تستمر المفاوضات مع إيران ولبنان، يظلّ نشر الفوضى في صُلب حسابات حكومة نتنياهو.

      مايكل يونغ

  • تعليق
    ديوان
    سورية والأردن بالأرقام

    تُظهر البيانات أنّ لدى عمّان أسبابًا أكثر من دمشق للترحيب بتحسّن آفاق التبادل التجاري بين البلدَين.

      أرميناك توكماجيان

  • تعليق
    ديوان
    عقيدة الركام الإسرائيلية

    الهدف هو إلحاق ضررٍ بالغ بالأعداء كي تصبح استعادة قدراتهم أمرًا عسيرًا أو مستحيلًا.

      ناثان ج. براون

  • تعليق
    ديوان
    إعادة رسم خريطة لبنان الجغرافية والاجتماعية

    فيما تواصل إسرائيل التمدّد في أراضي البلاد، ينظر اللبنانيون بعضهم إلى بعض بعين الريبة.

      عصام القيسي

  • تعليق
    ديوان
    جرّ لبنان إلى مواجهة مسلّحة مع حزب الله هو ضربٌ من الجنون

    لقد تغيّر دور هذا الطرف داخليًا وإقليميًا، لذا على البلاد وضع استراتيجية نزع سلاح تأخذ ذلك في الحسبان.

      مايكل يونغ

ar footer logo
شارع الأمير بشير، برج العازاريةبناية 2026 1210، ط5وسط بيروت ص.ب 1061 -11رياض الصلحلبنانالهاتف: +961 199 1491
  • بحث
  • ديوان
  • عن المركز
  • الخبراء
  • المشاريع
  • الأنشطة
  • اتصال
  • وظائف
  • خصوصية
  • للإعلام
© 2026 جميع الحقوق محفوظة